--------------------------------------------
هذا الكتاب موضوعه الرئيس (الأحلام)، موضوع ما يزال طازجا بما يكفي ليغري أي شخص بأن يعتلي خشبة مسرح النوم بجسارة بالغة، وأن يتجشم فيصطاد الأحلام، وهي تصأصئ في مكامنها، الواحد تلو الآخر، ثم يقدم عليها جميعا وهي مضمومة، فيقدم عليه (الكتاب)، لأنه في ظنه، لم يفقد أهميته الحقيقية ولا نقصت ضرورته العلمية أو طابعه الآني المهم. بل حتى طزاجة أفكاره (الكتاب مرة أخرى) ومقارباته الخاصة بكل حلم، لم تذل بعد، لأن نهر الأحلام ما يزال يفيض ويتدفق، من وفي رؤوس الحالمين الكثر من البشر، نُوّما كانوا أم يقظى، وبين ثنايا المخادع والأعطاف، بكل أحلام الأحلام، ورغائبها هي هي، وهم يُخدعون فيخدعون شيئًا فشيئًا، في مخادعهم فلا يكاد يبين منهم ولا من تلافيف أدمغتهم المتعبة، سواء كانوا سادة أم عبيدًا، سوى رؤوس أحلامهم -لا رؤوس أموالهم- أو ربما كانت رؤوس الكائنات الحلمية منهم وحسب؛ بشرًا كانت أم خلائق بائنة متباينة، والتي سوف تظل عندئذ، تحتدم برؤوسها في رؤوسهم، منذ الأحاسيس النافرة الأولى والحواس البكر الكابرة والمتكبرة، والمتزاحمة في ظلمة الكهف، وعندما كانت تسيل كلما طاشت، وتطيش كلما سالت على حوافه (الكهف دائمًا ولاحقًا) الطينية متلمسة طُرقها الملتوية على أصوات الخرير والزفير والنفير وزهور النيلوفر وهي تتقاسم مساحات الأجساد التي بينها وبين الشمس شموس صغيرة، وثقوب أصغر فأصغر، وصور وتصاوير حززت في الأعماق فاستبقتها الأزمنة والعصور، رضات دائمة إلى حين.
فالاحلام ليست هي فقط (من جملة الأعراض) كما يقول فرويد، بل هي أيضا من جملة عناصر العدة كلها، أو ربما كانت هي الجهاز الضروري الذي احتاج إليه المرء الأعمى ذو العينين، آنذاك، للخروج من عتمة الكهف والتملص من سطوة ظلمته (لم يكن العماء قدرا). وكانت عملية الخروج في مجملها، مثل حدث المخاض في مختصره: رهيب مهيب يحبس الأنفاس، وهو على جلاله ومن مكمنه في مخدع الجوف، يُخرج الحيّ من الحيّ، لا النقش إلى العلن وحسب... وكانت تلك العملية هي الصانع الحقيقي للفن والأدب والعلم والزراعة والفبركة والحدادة والصناعة والقنص والصيد وزرع الفخاخ، وكذلك كانت للحلم بذاته، دروبا دروبا ودروزا دروزا، مع كل تفانين المتع وأفانين اللذائذ وفنون اللهو والمحاكاة، وطرائق الجسد المتلاوية والملتوية كما الطرق العميقة في تلافيف الدماغ، وكما هي الأوردة والشرايين والشعيرات والحوالب والقنوات والأنابيب مغروسة في التفافات العضلات وطبقات الشحم.... فالجسد لم يخرج من عتمة النور إلى شموس المعرفة حافيا خاليا من كل بأس، بل كان دائما متسلحا بما لا حصر له من الأحلام والأشواق وسواكن الشغف ونوابضه، وبندولاته التي لا تكف عن الحركة، ولا تهدأ... وكان على هذا الجسد، وهو في بهجة النهار، أن يفسر كل تلك الصور التي حملها معه/معها طوال ما لا حصر له من أزمنة وعصور بكل أحقابها وتحقيباتها الذاهبة في أمل الحنين ترسمه الأحلام. ولسوف يظل واجبا عليه -أي الجسد- أن يستمر في هذا المسعى حتى لحظة النانو، ثم ما بعدها من لحظات....
اطلب نسختك قريبا من اسكرايب.