صندوق نحاس

صندوق نحاس مليان ورق

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

مقطع من المجموعة القصصية “كتاب الحب والخطيئة” للكاتب عبد الباقي يوسف

 


قال بجدّيةٍ: وأنا أيضاً، وازدادَ وجهُهُ تفتّحاً.. كلُّ ما فيهِ بدأَ يشرقُ، إنّهُ في عنفوانِ الشبابِ والمراهقةِ، ويلفتُ أنظارَ جميلاتِ الصالحيةِ بقدرةٍ عجيبةٍ ولكنهُ لا يأبَهُ بهنَّ، كلما رأى شاباً هتفَ: انظرْ يا عبد، إنّه غيرُ مصابٍ، ليتني كُنتُهُ.
وما أقسى وقعَ هذهِ العبارةِ على سمعي، ويكرِّرُها بحسرةٍ، وفي نهايةِ الشارعِ جلسْنا في حديقةٍ صامتةٍ لا أحدَ فيها، استرخى عائدٌ على الكرسيِّ ولأولِ مرةٍ تحدثَ بحكمةٍ وقالَ وهو لا ينظرُ إليّ: أتعرفُ؟ يجبُ أنْ يصابَ كلُّ شخصٍ بالإيدزِ ثم يشفى ليدرِكَ قيمةَ عدمِ إصابتِهِ الثريَّةِ.
وبعدَ قليلٍ قالَ: على كلِّ شخصٍ إذا أرادَ أنْ يستوعبَ الحياةَ أن يعيشَ هذا الشعورَ ثم يشفى، وصمَتَ، نظرَ إليّ، ثم عادَ إلى اللا شيءِ.
واسترسلَ: الإيدزُ خطوةُ الإنسانِ الأخيرةِ لولادةِ حياةٍ أكثرَ نضجاً، وقال: إن اللهَ يحبنا جميعاً.
ثم دفنَ وجهَهُ في راحتي كفَّيهِ وتمتمَ كأنّما يغنّي: لا أريدُ شيئاً سوى أنْ أُحِسَّ للحظةٍ واحدةٍ بأنني لستُ مصاباً، أنْ أعيشَ هذه اللحظةِ، متحرّراً من هذا الشّبحِ القاتلِ الذي يزدادُ ثقلاً على حركَتي ورغبَتي في العيشِ، لا أحدَ بمقدورِه أنْ يتفهمَ الحياةَ بقدري في هذا اليومِ البائسِ من حياتي إنني أمقتُ الإيدزَ، لو كانَ رجلا لتصدّيْتُ لهُ، أشعرُ بسفالتِهِ، بمكْرِهِ مثلَ الماءِ الذي يتسرّبُ تحتَ التبنِ، ليسَ بوسعِ مخلوقٍ على وجهِ الأرضِ أن يتعلقَ بالحياةِ كالذي داهمَهُ الإيدزُ الجبانُ، أنا أفهمُ تماماً بأنّهُ جبانٌ، وينظرُ إلى إنجازاتِ البشرِ بحقدٍ أعمى أكثرَ من زملائِهِ إنّني أعيشُ الموتَ لحظةً بلحظةٍ يا عبدُ، الآخرونَ ربما ينسونَ هذا الإحساسَ المدمرَ، لأنّ الموتَ يبدو على البعدِ دوماً ولا يذكُرُهُم، أما أنا فأتذكَّرُه كلَّما شاهدْتُ شخصاً بدونِ إصابةٍ، أعتقدُ بأنَّ عددَ سكانِنا يتجاوزُ ستةَ عشرَ مليوناً وإنّني واحدٌ فقط من كلِّ هؤلاءِ، هذا الإحساسُ يدمِّرُني ويخنقُني، الآخرونَ لا يستوعبونَ هذا الرعبَ عندما يقولونَ: سنموتُ غداً، ولا يدرونَ أيَّ غدٍ يعنونَ، إنها تخرجُ على صيغةِ نكتةٍ، وقد لا يعيشونَ هذا الواقعَ الأليمَ إلا لحظاتِ الاحتضارِ الأخيرةِ، حتى الطبيبُ يرفضُ أنْ يضعَهُم في مواجهةِ رعبٍ كهذا، أما أنا فأعيشُ حياتي كلَّها في احتضارٍ دائمٍ وكلَّ يومٍ يصرخونَ في وسائلِ الإعلامِ وفي الشّوارعِ والملصقاتِ: لن تُشفَى، وتتعالى صيحاتُ التّهديدِ والوعيدِ وكأنّني لستُ واحداً من بني البشرِ، وكأنّهم بدونِ خطايا!
ليتَهم جرّبوا لحظةَ ألمٍ واحدةٍ من لحظاتيَ الجحيميّةِ لمزّقوا كلَّ هذه الملصقاتِ، ولتحدَّثوا بشيءٍ من تكاتفٍ إنسانيٍّ.

عن الكاتب

Hayam Fahim

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

Translate

جميع الحقوق محفوظة

صندوق نحاس