علي صُداحِ أغنية "سيرة الحب" لأم كلثوم آتية من كاست قديم
ومتهالك يختلط صوته مع قرقرة الشيشة ورمي قطع النرد، وإيقاع قطع الدُمَنو، وصوت
صبيّ الشيشة حاملًا جمرات النار يدور بها على زبائن القهوة، جلستُ أنا وصديقي في
ركن أقصى اليمين من قهوة السعدواي؛ فهي قهوتي المفضلة، قلت لصديقي مفتتحًا الكلام:
ماذا ستشرب مع الشاي، بوري؟
- نعم واطلبْ لنا دومنه.
طلبتُ الطلبات ونظرت إليه أستفهم منه الذي حدث وجعله حزينًا هكذا:
- قل لي ما حدث.
- لم يحدث شيء ذو بال، ضاعت فرصة من ضمن الفرص التي ضاعت مني.
- إنك تحزنني بكلامك، مهندس قضى خمس سنوات في كلية الهندسة ثم لا يجد
فرصة عمل مناسبة.
- ليس حالي وحدي إنه حال الكثيرين، رغم المئات من المشاريع التي تُفتح كل يوم، ومع ذلك لا نجد عملًا مناسبًا.
- قل لي لماذا لم تكمل في العاصمة الجديدة.
- لم أستطع التحمّل، المعيشةُ هناك مستحيلة، يضعوننا في كرفانات في وسط
الصحراء لننام فيها، عندما رأيتها قلت سأتحمل حتى أجد سكنًا مناسبًا ولن أدع تلك
الفرصة تضيع من يدي، ولكن عندما رأيت تلك الجِرذان لم أستطع التحمل إنها في كل
مكان حجمها كالقطط، لم أستطع النوم وأنا أشاهدها تسير بجانبي على حائط الكرفان
ظللت أراقبها طوال الليل، وهي تجول في المكان كله من حولي، في الصباح أخذت حقيبتي
غادرت المكان كله وأنا أقسم أني لن أعود إليها مجددًا ولو أني سأموت من الجوع، ولو
صرت متشردًا أجول الطرقات أشحذ لقمتي فسيكون أهون عندي أن أعود إلى تلك العاصمة من
جديد.
