لكل شيء في الحياة ثمن، هكذا قرأتُ في الكتب، وهذا ما رأيته من الحياة، وأيضا كان شعار مهنتي، فقد مر ثلاثة أشهر على مغادرة أبي حياتي، وإعلان قراره الرسمي بعدم عودتي مرة أخرى، وكوني ميته في نظر الجميع، وكم حاولت مصالحته، والتحدث معه ولكنه لم يقبل الاعتراف بي كابنة له.
في ذلك الوقت كنتُ قد بدأت ألملم حلم عباءة المحاماة، وتلك الذكريات التي حلمتُ يوما بتحقيقها، ودعت المنزل وجدرانه، وجلستُ أستنشق رائحة المكان، وأستمع لصوت حسان ومعزوفاته التي كانت تطرق بابي ليلاً، وصورة أبي وهو يبتعد، ونظرة حسان التي تخلت عني حينها، كل ذلك ترك ثقبا في روحي ظل ينزف بلا توقف. في تلك اللحظة طرق باب المنزل شعرتُ وكأنه يطرق باب قلبي، فكنت أعلم من يكون الطارق.
فتحتُ الباب حاملة حقائب الخزي والخسارة، ورأيت حسان يقف أمامي حاملا بين نظراته غضبا كاد يُفتك بي من النظرة الأولى، حينها كنتُ أكن له شعورا غريبا ممزوجا بالحب والكره.
نظرت له قائلة: لماذا عدت؟
صمتُ مخيف مر بيننا كشبحٍ أراد أن يهشم تلك الفجوة التي نشأت، ووقف ينظر لي بعد أن هدأت ملامحه، وبعينيه اللامعتين كلما نظرت فيهما قال لي: لماذا فعلتِ ذلك؟
بادلته الحديث بصوتِ مرتجف: لماذا يا حسان؟
- أخبرتك أن تتوخي الحذر ممن حولك.
- لم افعل شيء صدقني.
- أصدقك، فأنا أعلم جيدا إنك لم تفعلي شيئا كهذا.
- كيف لم يصدقنِ أبي، وكيف حصل على تلك الصور.
- سأعلم يا شمس، وعندما أجده سيلفظ أنفاسه الأخيرة تحت قدميكِ.
- شمس؟ هذه المرة الأولى التي تناديني باسمي.
- بل ناديتك كثيرا، ولكنك لم تستمعِ لي لم يكن هناك صوت سوى صوتك، فأنا ناديتك كثيرا وبكل اللغات.
اقتربت منه وفي عقلي غربان تنقر فيه صارخة من تكون، وكأن عقلي بصق كل ما فيه قائلة له:
- من تكون؟! أنا لم أعد أفقه شيئا، وكل الأمور من حولي مبهمة وضائعة، وكأنني أعيشُ أسوأ كابوس قد يراه عقلي.
