صندوق نحاس

صندوق نحاس مليان ورق

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

مقطع من رواية "من الضفة الأخرى" للكاتب عمر رشيد الغضب



أنظر جاهداً بين الجموع الغفيرة أحاول أن أجد إنساناً يتجاوز جلد جسده فكراً دون جدوى، فبين هذه الألوان الكثيرة للمدينة تضيع الشفافية، وتستبدل كلمات حقيقية كالصدق والنخوة لتحل محلها المصلحة والكذب...

تقوقعٌ أنا مجبرٌ عليه في هذه المدينة، ليس لأنني على صواب وهم على خطأ، لا بل لأنني مختلف.

هم يعيشون حياة يعتقدون أنها حقيقية، وأنا بالتأكيد كنت أحيا حياة حقيقية، أتمنى كثيراً أن أحيا حياةً مثل حياتهم سطحية بسيطة، أتمنى ألا تتجاوز أفكاري عمق آثار أقدامي، فالجهل في حالات كثيرة يكون نعمة من الله، والذي يعرف غالباً ما تكون حياته صعبة، وكما يقال "الحقيقة دائماً مُرّة" يصعب العيش معها...

أيام وأسابيع كثيرة تمر وأنا أتابع محاولاتي في التأقلم مع المستحيل، من اقتناعي بعدم إمكانية التأقلم مع المستحيل، استأجرت بيتاً بأطراف المدينة وذلك لسببين، أول سبب هو غلاء البيوت النسبي كلما اقتربت من مركز المدينة، أما السبب الثاني فهو حاجتي للابتعاد عن مركز الازدحام، ازدحام المشاعر والكذب والسيارات التي تخنقك بداعي الحضارة...

كان البيت الذي لجأت إليه لأخرج من زحام النفاق ذاك بيتاً غريب الأطوار، على الأقل أحسست ذلك من اللحظة الأولى التي خطوتها فيه، فالشارع الذي يمر به، شارع شعبي جداً، البيوت التي تملأه عربية مؤلفة من طابق واحد، في منتصف البيت الذي استأجرته حديقة خاوية من الحنان، أشجار حزينة متعبة من الاستمرار في الحياة، على عكس أشجار البيوت التي أعرفها، فأشجار البيوت هي آخر ما يتبقى من البيت، البيوت التي تسقط، تسقط وحيدة دون أشجارها، أما هذه الأشجار كانت هرمة ذابلة الأوراق والأغصان، حركة أوراقها بطيئة، استجابتها لمداعبات الرياح مترددة، متخاذلة، زوايا البيت لم تكن تحتفظ بأي لحظة سعيدة، فأي بيت آخر كان ليحتفظ بكلمات منقوشة على جدرانه، ذكريات تطور أطفال مرّوا بهذا البيت، محاولات تعلم الكتابة على الجدران، لأسماء الأطفال، ر سوم مضحكة، لم أجد أي منها هنا..

بحثت جاهدا لأفسد اكتشافي المزعج في هذا البيت دون جدوى، لم أجد فيه، أي إشارة أو أي أثر يدل على السعادة، أيام كثيرة وأنا أستنطق بيتي الجديد- إن حق لي تسميته هكذا – بحثت كثيرا في ساحاته، بين حجارة جدرانه لم أجد شيئاً، ومع ذلك استمرت محاولاتي لأن أجد بداية جديدة لنهاية كنت آمل تحقيقها..

نحتاج دائماً بعد كل فشل إلى بداية جديدة..

 

عن الكاتب

Hayam Fahim

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

Translate

جميع الحقوق محفوظة

صندوق نحاس